الشيخ عبد الغني النابلسي
172
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الإلهي ، وهو عرشها في عالم الخلق الرحماني ، وهي في توهم في كل ما هي متحققة به كما توهمت الزجاج ماء ، وأثر ذلك التوهم في نفسها حتى كشفت عن ساقيها لتخوض في ذلك الماء الذي رأته ، وهو زجاج على خلاف ما ترى ، فنبهها بذلك على الأمر العظيم . وهذا من سليمان عليه السلام غاية الإنصاف فإنه ، أي سليمان عليه السلام أعلمها بذلك الأمر إصابتها ، أي كونها مصيبة في قولها ، أي بلقيس عن عرشها كَأَنَّهُ هُوَ فعلمت أنها في توهم من أمرها وشأنها كله فقالت عند ذلك رَبِّ ، أي يا رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي في جميع ما كنت أعتقده من أمر الدين ، حيث رأت نفسها متوهمة في كل ما تعتقده في محسوساتها الدنيوية ، فكيف بمعقولاتها الدينية وَأَسْلَمْتُ ، أي دخلت في دين الإسلام مَعَ سُلَيْمانَ عليه السلام أي إسلام سليمان عليه السلام لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] ، أي مالكهم والعالم بهم على ما هم عليه في أنفسهم من غير توهم في علمه تعالى . * * * فما انقادت لسليمان وإنّما انقادت للّه ربّ العالمين ، وسليمان من العالمين . فما تقيّدت في انقيادها كما لا تتقيّد الرّسل في اعتقادها في اللّه . بخلاف فرعون فإنّه قال : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) وإن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجة ، لكن لا يقوى قوّته فكانت أفقه من فرعون في الانقياد للّه . وكان فرعون تحت حكم الوقت حيث قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ يونس : 90 ] » فخصّص ، وإنّما خصص لما رأى السّحرة قالوا في إيمانهم باللّه : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) [ الشعراء : 48 ] . فما انقادت ، أي بلقيس بإسلامها لسليمان عليه السلام وإنما انقادت بإسلامها لرب العالمين وسليمان عليه السلام من جملة العالمين الذين أسلمت بلقيس لربهم فما تقيدت ، أي بلقيس في انقيادها للّه تعالى بقيد أصلا كما لا تتقيد الرسل عليهم السلام في اعتقادها ، أي طائفة الرسل في اللّه تعالى بقيد أصلا من كمال الإيمان بخلاف فرعون حين أسلم وآمن لما أدركه الغرق فإنه قال آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ يونس : 90 ] ، وخصص إيمانه من تخصيص السحرة ، وتقدير ذلك آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) [ الأعراف : 122 ] ، فإنه مرجع كلامه ، وإن كان ، أي فرعون يلحق